إنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى.
- أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، دِينُ الْإِسْلَامِ دِينٌ مَتِينٌ، مَبْنِيٌّ عَلَى أَرْكَانٍ تَعَضُّهَا وَاجِبَاتٌ، وَمُجَمَّلٌ بِمُسْتَحَبَّاتٍ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا افْتَرَضَهُ عَلَى عِبَادِهِ. قَالَ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: »وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ« رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
- وَأَفْرَضُ الْفَرَائِضِ وَأَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ أَرْكَانُ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةُ، مِنْهَا مَا لَا تُفَارِقُ الْعَبْدَ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَهُمُ الشَّهَادَتَانِ، وَمِنْهَا مَا يُؤَدَّى فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّاتٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَجَدِّدٌ فِي الْعَامِ. وَصِيَامُ رَمَضَانَ يَعُودُ كُلَّ عَامٍ، إِذَا دَنَا مَوْسِمُهُ بَشَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِهِ، قَائِلًا لَهُمْ» :أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ« رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
* شَهْرُ رَمَضَانَ ضَيْفٌ كَرِيمٌ وَمَوْسِمٌ عَزِيزٌ.
- شَهْرُ رَمَضَانَ ضَيْفٌ كَرِيمٌ وَمَوْسِمٌ عَزِيزٌ، يُسْتَقْبَلُ بِالْبَشَارَةِ وَالسُّرُورِ وَالْأَفْرَاحِ. وَمِنْ خَيْرِ مَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ رَمَضَانُ الْإِحْسَانُ قَبْلَ قُدُومِهِ، فَالْمُقَدِّمَةُ عُنْوَانٌ عَلَى إِحْسَانِ مَا بَعْدَهَا. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِدُّ لَهُ مِنْ شَعْبَانَ تَوْطِئَةً لَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: »لَمْ أَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
- ضَيْفٌ سَرِيعُ الِارْتِحَالِ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٌ، فَعَلَى أَصْحَابِ الْهِمَمِ التَّعَرُّضُ لِنَفَحَاتِ الرَّحْمَنِ فِيهِ، وَالْعَزْمُ عَلَى فِعْلِ أَشْرَفِ الطَّاعَاتِ بِتَحْقِيقِ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ، تَوْحِيدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِذْ بِهِ تَتَيَسَّرُ الْعِبَادَاتُ وَيَذُوقُ الْعَبْدُ حَلَاوَتَهَا. قَالَ سُبْحَانَهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: }إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي{[طه: 14]، وَأَسَاسُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ إِخْلَاصُ نِيَّةٍ فِيهَا لِلَّهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ لِنَبِيِّهِ: }قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ{[الزمر:11].
- وَمَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ فِي الصِّيَامِ مَشْرُوطَةٌ بِابْتِغَاءِ الْأَجْرِ مِنَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ« مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَبُولُ صَلَاةِ الْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ مُقَيَّدٌ بِاحْتِسَابِ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: »مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ« مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
- وَإِذَا صَحَّتِ النِّيَّةُ وَقَوِيَتْ، تَضَاعَفَ الثَّوَابُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: }مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ{[البقرة: 261]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَيْ بِحَسَبِ إِخْلَاصِهِ فِي عَمَلِهِ.
- خَصَّ اللَّهُ الصَّوْمَ بِإِضَافَتِهِ لِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَوَعَدَ بِالْمُجَازَاةِ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَوَلَّى الْكَرِيمُ الْإِعْطَاءَ بِنَفْسِهِ، فَلَا تَسَلْ عَنْ مِقْدَارِ الْعَطَاءِ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ» :قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ« مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّيَامِ هُنَا صِيَامُ مَنْ سَلِمَ صِيَامُهُ مِنَ الْمَعَاصِي قَوْلًا وَفِعْلًا.
* شَهْرُ الْجِدِّ وَالتَّشْمِيرِ وَالصَّبْرِ وَالطَّاعَاتِ.
- سَيِّدُ الشُّهُورِ، شَهْرُ الْجِدِّ وَالتَّشْمِيرِ وَالصَّبْرِ وَالطَّاعَات، أُنْزِلَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ فِيهِ فِي أَشْرَفِ لَيْلَةٍ مِنْهُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُدَارِسُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فِيهِ، وَكَانَ السَّلَفُ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ تَرَكُوا مَجَالِسَ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى الْمَصَاحِفِ. وَكَانَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَخْتِمُ فِي رَمَضَانَ كُلَّ ثَلَاثٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ خَتَمَ كُلَّ لَيْلَةٍ. فَأَكْثِرُوا فِي هَذَا الشَّهْرِ مِنْ تِلَاوَةِ كِتَابِ رَبِّكُمْ فِي لَيْلِكُمْ وَنَهَارِكُمْ، فَبِهِ تَنْشَرِحُ الصُّدُورُ.
- وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ، وَاجْتِمَاعُ النَّاسِ لِقِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ خَصَائِصِ رَمَضَانَ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: »مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ« رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
- وَلَا غِنَى لِلْعِبَادِ عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فِي كُلِّ حِينٍ، وَالصَّائِمُ مِمَّنْ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ، فَسَلِ اللَّهَ مَا شِئْتَ، فَالْمُجِيبُ كَرِيمٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ« أَيْ أَكْثَرُ إِجَابَةً وَخَيْرًا مِنَ الْعَبْدِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
- وَرَمَضَانُ شَهْرُ الْكَرَمِ وَالرَّحْمَةِ بِالضُّعَفَاءِ. »كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةُِ« مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالرِّيحُ الْمُرْسَلَةُ يَعُمُّ نَفْعُهَا وَلَا يَنْقَطِعُ خَيْرُهَا، وَالصَّدَقَةُ تُظِلُّ صَاحِبَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا يُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ إِلَّا مَعَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ.
- وَأَبْوَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحَةٌ فِي كُلِّ حِينٍ، وَلَا يَحْصُلُ لِعَبْدٍ كَمَالُ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بِهَا، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوْبَةِ لِيَنَالُوا الْفَلَاحَ، فَقَالَ: }وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{[النور: 31]، وَاللَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ تَوَّابًا لِيَرْجِعَ الْعِبَادُ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ فَرِحَ بِهِ وَآوَاهُ وَبَدَّلَ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ، وَخَيْرُ يَوْمٍ فِي عُمْرِ الْعَبْدِ يَوْمٌ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهِ.
- وَالِاسْتِغْفَارُ جَالِبٌ لِلنِّعَمِ، دَافِعٌ لِلنِّقَمِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِذَا عَلِمَ الْعَبْدُ أَنَّ الشَّرَّ لَا يَحْصُلُ لَهُ إِلَّا مِنْ نَفْسِهِ بِذُنُوبِهِ، اسْتَغْفَرَ وَتَابَ، فَزَالَ عَنْهُ سَبَبُ الشَّرِّ، فَيَكُونُ الْعَبْدُ دَائِمًا شَاكِرًا مُسْتَغْفِرًا، فَلَا يَزَالُ الْخَيْرُ يَتَضَاعَفُ لَهُ وَالشَّرُّ يَنْدَفِعُ عَنْهُ«
* ذِكْرُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ حِلْيَةُ الصَّائِمِ.
- وَذِكْرُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ حِلْيَةُ الصَّائِمِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَفْضَلُ أَهْلِ كُلِّ عَمَلٍ أَكْثَرُهُمْ فِيهِ ذِكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَفْضَلُ الصُّوَّامِ أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي صَوْمِهِمْ«.
- وَسَلَامَةُ الْقَلْبِ مِنَ الدَّنَسِ وَالْمَعَاصِي رِفْعَةٌ لِلصَّائِمِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: }يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ {[الشعراء: 88-89]. قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ» :لَمْ يُدْرِكْ عِنْدَنَا مَنْ أَدْرَكَ بِكَثْرَةِ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا أُدْرَكَ بِسَخَاءِ الْأَنْفُسِ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ.«
- وَالصَّوْمُ إِمْسَاكٌ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَكَفُّ الْجَوَارِحِ عَنِ الْآثَامِ، مِنْ غِيبَةٍ تَمْحَقُ الْحَسَنَاتِ، أَوْ نَظْرَةٍ مُحَرَّمَةٍ تَنْقُصُ الصِّيَامَ. وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ فِي رَمَضَانَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَصَوْمِكَ سَوَاءً.
- بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَبْوَابُ الْخَيْرِ فِي رَمَضَانَ مُشْرَعَةٌ، وَرَمَضَانُ مِضْمَارٌ لِلسِّبَاقِ، يَرْبَحُ فِيهِ الْمُسَارِعُونَ إِلَى الطَّاعَاتِ. وَالْمُوَفَّقُ مَنْ نَوَّعَ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ فِي رَمَضَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ مَا لَا يَجْمَعُ فِي غَيْرِهِ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: «مَنْ تَنَوَّعَتْ أَعْمَالُهُ الْمَرْضِيَّةُ لِلَّهِ الْمَحْبُوبَةُ لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، تَنَوَّعَتِ الْأَقْسَامُ الَّتِي يَلْتَذُّ بِهَا فِي تِلْكَ الدَّارِ» أَيْ فِي الْجَنَّةِ، وَتَكَثَّرَتْ لَهُ بِحَسَبِ تَكَثُّرِ أَعْمَالِهِ هُنَا، وَكَانَ مَزِيدُهُ بِتَنَوُّعِهَا وَالِابْتِهَاجِ بِهَا وَالِالْتِذَاذِ بِنَيْلِهَا هُنَاكَ عَلَى حَسَبِ مَزِيدِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَتَنَوُّعِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ.«
- وَاحْذَرُوا الْكَسَلَ وَالْفُتُورَ، فَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ سُرْعَانَ مَا تَنْقَضِي، فَهَنِيئًا لِمَنْ أَدْرَكَهُ، وَبُشْرَى لِمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ وَأَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الطَّاعَةِ.
- أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183].
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا.
- أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي مُؤْذِنَةٌ بِنَقْصِ الْآجَالِ وَقُرْبِ الرَّحِيلِ، وَالْعَاقِلُ مَنِ اعْتَبَرَ وَعَمِلَ. تَذَكَّرُوا مَنْ صَامَ مَعَكُمْ فِيمَا مَضَى، ثُمَّ هُوَ الْيَوْمَ مُرْتَهَنٌ فِي قَبْرِهِ بِمَا عَمِلَ، يَتَمَنَّى صِيَامَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِفُسْحَةٍ فِي الْأَجَلِ، فَاغْتَنِمُوهَا قَبْلَ زَوَالِهَا، فَكَمْ مِنْ مُسْتَقْبِلٍ يَوْمًا لَا يَسْتَكْمِلُهُ، وَمِنْ مُؤَمِّلٍ غَدًا لَا يُدْرِكُهُ.
- ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ، فَقَالَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: }إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب:56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ قَضَوْا بِالْحَقِّ وَبِهِ كَانُوا يَعْدِلُونَ، أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلِ اللَّهُمَّ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا رَخَاءً، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ إِمَامَنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَانْفَعِ اللَّهُمَّ بِهِمَا الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ دِيَارَ الْمُسْلِمِينَ دِيَارَ أَمْنٍ وَرَخَاءٍ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ
الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى
آلَائِهِ وَنِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ
مَا تَصْنَعُونَ.






تعليقات
إرسال تعليق